زكريا القزويني

316

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

أقفيتهم ويخرج النار من فيه ، ومنهم من كان يمشي على أربعة ، ومنهم من كان له رأسان ، ومنهم من كانت رؤوسهم رؤوس الأسد وأبدانهم أبدان الفيلة ، فرأى سليمان عليه السلام شيطانا نصفه صورة الكلب ونصفه صورة السنور وله خرطوم طويل ، فقال له : من أنت ؟ فقال أنا مهر بن هفان بن فيلان فقال سليمان عليه السلام ما عندك من الأعمال ؟ فقال : عندي عمل الغناء وعصر الخمر وشربه وأزين الشرب والغناء لبني آدم فأمر بتصفيده ، ثم مر به أخر قبيح الشكل أسود له سمج الكلاب والدم يقطر من كل شعره على بدنه ، وهو قبيح الشكل جدا فقال له من أنت ؟ قال : أنا الهلهال بن المحول فقال له : ما عملك ؟ فقال : سفك الدماء فأمر بتصفيده ، فقال : يا نبي اللّه لا تقيدني فإني حشرت إليك جبابرة الأرض ، وأعطيك العهد والميثاق أن لا أفسد في مملكتك فأخذ عليه الميثاق ظافر ، وختم على عنقه وأطلقه . ومر به آخر في صورة قرد له أظافر كالمناجل ، وهو قابض على بربط فقال له : من أنت ؟ فقال : أنا مرة بن الحارث ، فقال له : ما عملك ؟ فقال : أنا أول من وضع هذا البربط وحركها فلا يجد أحد لذة الملاهي إلا بي فأمر بتصفيده . قال أبو عبيدة : خرج عبيد بن الأبرص يريد الشام فلما كان ببعض الطريق عرض له شجاع يلهث عطشا ، فعمد عبيد إلى راوية ونزل عن بعيره وسقى الشجاع حتى روي ثم مضى حتى أتى الشام وقضى حاجته وانصرف ، فإذا في بعض الليالي أضل بعيره ونكب عن الطريق وساء ظنه وإذا هاتف يقول : يا صاحب البكر المضل مذهبه * دونك « 1 » هذا البكر منا فاركبه حتى إذا الليل تراءى عيهبه * وأقبل الصبح ولاح كوكبه فحط عنه رحله وسيبه . فرأى بعيرا فاستوى على ظهره فلم يلبث أن رأى باب داره وكان على مسيرة عشرين مرحلة فأقبل يحط عنه الرحل وهو يقول : يا صاحب البكر قد أنجبت من كرم * ومن فياف تضل المدلج الهادي هلا بدأت لنا خلوا لنعرف من * هذا الذي جاد بالنعماء في الوادي

--> ( 1 ) دونك : اسم فعل أمر بمعنى خذ .